هشام جعيط
216
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
طوبوغرافيا ثريا وغامضا في آن ، يصف من خلاله ثورة المختار « 1 » ( 66 - 67 / 685 - 686 ) ، وثورة زيد بن علي « 2 » ، إضافة إلى البلاذري في فتوح البلدان « 3 » ، واليعقوبي في كتاب البلدان « 4 » الذي مزج بين القديم والحديث ، وخلط بين الأخبار التاريخية والملاحظات المقتضبة . أما مخطط ماسينيون ، فإنه يورد أصلا رواية أبي مخنف بخصوص المختار ، متيحا بذلك اقتفاء أثره عبر الثنايا التي مر بها ، ودامجا أيضا عناصر اقتبسها من اليعقوبي ، وهو يخلط بين العصر الأموي والعصر العباسي . فضلا عن أنه لم يأخذ بعين الاعتبار التصور الأولي الذي وضعه سيف ، فالتبس عليه موضوع التعريف بالقبائل ، كما غابت في مخططه أسماء السكك والشوارع ، وتحددت مواقع الجبّانات تحديدا تقريبيا ، لم يبعد كثيرا عن المعقول . الحقيقة أن ضبط تخطيط دقيق للكوفة على خارطة نعتبره من الوجهة العملية أمرا مستحيلا ، أي الكوفة في العصر الأموي ، لغموض المعلومات الواردة في المصادر . على أن محاولة ماسينيون تبقى صالحة نسبيا ومفيدة . يمكن أن نحاول استكمالها وتصحيحها أيضا دون أي أمل في الوصول إلى وضع رسم ناجز نهائي يقترب ولو قليلا من المخطط النهائي الواضح . لقد تم كل شيء وكأن الروايات استخدمت مجموعة من العلامات المكانيّة التي هي القصر والجامع والسبخة والفرات والكناسة والجبّانات الرئيسة ، لاستعراض الجو الحضري وبث الحياة في المدينة وإعادة إحيائها ، أكثر مما كانت لتوجيهنا أو إرشادنا . فإما أن يكون أبو مخنف قد ألف لأناس كانوا على معرفة جيدة بالكوفة ، فأغفل لذلك عدة أمور ، وإما أنه كان يضلّل القارئ . فوزع في نصوصه علامات طوبوغرافية على طريقة القصّاص - حتى يضفي مصداقية أكبر على ما يكتب . وشعورنا أن هذه العلامات نفسها كانت تتكرر دون تغيير ، في كنف الغموض دائما ، واستمر الأمر قرنا ونصف القرن - منذ ثورة المختار إلى ثورة ابن طباطبا « 5 » ( 199 - 200 / 815 - 816 ) . فترتب عن ذلك توفّر قائمة لا يستهان بها من أسماء المكان - ذكر ماسينيون 125 اسما « 6 » - وتمكيننا من استكشاف ووصف الوظائف
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 11 - 66 وص 104 - 107 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 7 ، ص 180 - 191 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 274 - 287 . ( 4 ) كتاب البلدان ، ص 309 - 311 : عرض ( ص 310 ) خطط الكوفة وكأنها متأتية من خلافة عمر . لكن يسود الشعور بأنه يسقط ملاحظاته الراهنة ويوضحها أحيانا ، وقد فعل ذلك بخصوص همدان فقال عنهم تفرقوا في الكوفة . ( 5 ) الطبري ، ج 8 ، ص 528 وما بعدها . ( 6 ) . Massignon , Art . cit . , p . 57 يؤكد ماسينيون أن الطبري ذكر 125 اسما في الكوفة وذكر البلاذري 50 اسما ، ووردت 10 أسماء في كتاب الأغاني وحده . لكن ماسينيون لا يذكر كل أسماء المكان في بحثه .